الفكر الاستراتيجى

نشر الفكر والتحليل الاستراتيجى

التبادل الاعلاني

شارك بالتصويت

جنوب السودان بين الوحدة والانفصال

التبادل الاعلاني


    الاعلام والامن

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 56
    استراتيجى : 0
    تاريخ التسجيل : 25/12/2009

    الاعلام والامن

    مُساهمة  المدير العام في 4/12/2010, 12:19 am

    أصبحت العلاقة بين الإعلام والأمن الوطني وتحديات العولمة تشكل هاجسا وتحدياً في عالم اليوم، لا سيما في ظل التحديات التي يشهدها العالم وتعيشها الأمة ويدفع ثمنها الإنسان.

    ومع تعاظم ثورة الاتصالات وتحوّل الكرة الأرضية إلى قرية كونية توارى فيها حاجز الزمان والمكان ، أصبحت وسائل الاتصال الجماهيري

    أو وسائل الإعلام أقوى الوسائل أثراً وأكثرها فاعلية في تشكيل التوجّهات، وتوجيه السلوك ، والتأثير على بنية الثقافة ، حيث يجد الإنسان نفسه أمام تساؤلات كثيرة وتحديات جسيمة، تدفعه إلى التجسير بينها لإدراك مضامينها وغاياتها وأهدافها، وأن يوظفها ويتفاعل مع مخرجاتها حتى لا يجني على نفسه وأمته ووطنه. فالأمن الوطني لم يعد في ظل الإعلام وفورته وتحديات العولمة مجرد مواجهة بالقوة والسلاح لكل ما يتهدد مصالح الدولة، وواقعها وتطلعاتها ومجمل نظامها السياسي، لكن أبجدياته تبدأ بالتربية الاجتماعية والوطنية والسياسية والثقافية والاقتصادية وحتى العسكرية بكل تجلياتها أمام ولوج العالم أفقاً حياتياً جديداً يقوم بنيانه على أسس الانفتاح والحرية والشفافية والتمايز بين الناس على قاعدة القدرة على التفكير والإبداع وبالتالي العطاء والإنجاز. ومع استمرار هاجس الأمن الوطني كتحد لكثير من الدول والشعوب ، تأتي العولمة كمؤثر آني ومستقبلي يستحوذ على اهتمام الحكومات والرأي العام والأفراد بالرغم من غموضها الذي يخفي وراءه الاعتقاد بأن تطبيقها قد يخلق حضارة عالمية جديدة، تكون نسخة متجانسة وخالية من الشوائب عن الحياة البشرية ، حيث تشير القرائن والمعطيات الماثلة في الساحة الدولية المعاصرة ، إلى أن الصراع خلال الألفية الثالثة، هو صراع حضاري أهدافه منظومة القيم والمثل والعقيدة ، وبالتالي استهداف الموروث الاستراتيجي للأمة أكثر مما هو صراع اقتصادي على المنافع المادية . والدليل على ما سبق هو أن الدول لم تعد قادرة على التحكم فيما تصنعه وما تشتريه، وأنه وِلأول مرة في تاريخ البشريةِ أضحى كل شيء يمكن أن يصنع في أي مكان، ويباع في كل مكان آخر في ضوء أن الحكومات والدول الآن لا يمكنها إغلاق حدودها لمواجهة الأمراض المعدية، أو المخدرات أو الإرهاب أو الثقافات القادمة عبر وسائل الإعلام من الفضاء، ومن الاتجاهات كافة حيث إمتدت مفاهيم العولمه لتطال ثقافات الشعوب وموروثها الذي يشكل هويتها بكل مقوماتها.

    :مفهوم الإعلام وتطور نظرياته

    تنبع أهمية الإعلام من كونه الأداة الرئيسة في عملية الاتصال الجماهيري التي توسعت آفاقها ، وزادت أبعادها ، وتشعبت مجالاتها مع الثورة المعلوماتية والاتصالية والتكنولوجية الحديثة، الأمر الذي لم تشهده البشرية منذ بواكيرها وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين ، والإعلام من هذه المقاربة يعدُّ في نظر أصحاب التخصص (عملية النشر وتقديم المعلومات الصحيحة والحقائق الواضحة، والأخبار الصادقة والموضوعات الدقيقة والوقائع المحددة، والأفكار المنطقية والآراء الراجحة للجماهير، مع ذكر مصادرها خدمة للصالح العام. ويقوم على مخاطبة عقول الجماهير وعواطفهم السامية وعلى المناقشة والحوار والإقناع بأمانة وموضوعية)1.

    وربما يعكس التعريف السابق صورة مثالية للإعلام قد لا نراها في الإعلام المعاصر الذي اصبح عرضة للتأثر بالكثير من المعطيات التي تخرجه أحياناً عن إطار هذه الصورة المثالية، كما أنه يختلف ويتأثر بالتغير في عنصري التاريخ والجغرافيا، أو المكان والزمان، حيث نجد أن هناك نظريات عدة جسدت الإعلام وعكست مفهومه ، فقد برزت (نظرية السلطة) التي أخذت بها وأعادت إنتاجها الأنظمة الاشتراكية والشمولية، كأداة لتطبيق سياسات الحزب الحاكم واستمرار النظام. وما لبثت أن ظهرت (نظرية الحرية) في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لتعكس الروح السائدة هناك من ديمقراطية وحرية ، وأصبح الإعلام بحق كما أطلق عليه هو السلطة الرابعة .

    لم تلبث أمريكا من جانبها وهي ، إلى حد كبير ، موطن التكنولوجيا المتقدمة أن طورت نظرية الحرية بتحديد الإعلام ووضع القيود عليه ، فوضعت مجموعة من المبادئ وجعلته يخضع للمساءلة من قبل الحكومة والشعب في حال تجاوزها ، ومن هنا أطلق على هذه النظرية الإعلامية (نظرية المسؤولية الاجتماعية) «2.

    ومع تفجر المعرفة والثورات المعلوماتية والاتصالية ، أصبحت الجهات التي تملك أدوات الإعلام ووسائل إنتاج المواد الإعلامية كالغرب ، وفي مقدمته أمريكا مرسلاً والعالم الثالث مستقبلاً، وهذا بدوره مكّن الإعلام الغربي مع مطلع القرن من نقل المواد ذات المحتوى الدعائي السياسي فاتسم بالقصدية، حيث شرعت تلك الجهات بإشاعة وترويج ثقافتها وقيمها ونظمها كأسلوب عالمي بذريعة عولمة الإعلام»3.

    لم تلبث الحروب المتلاحقة التي خاضتها أمريكا والعمليات العسكرية المختلفة أن دفعتها وساعدتها لتقديم الغطاء الشرعي القانوني المحلي والدولي لتلك الحروب والعمليات ، فساعد ذلك على توظيف الإعلام لخدمة الأمن الوطني ، مما جعل الإعلام الموضوعي المحايد يتحول بقوة وسرعة إلى الإعلام المسيس، وبخطوة متقدمة تم الانتقال من حالة التسييس إلى العسكرة .

    فكما هو الأمر في سائر المجالات الأخرى تم وضع الإعلام في خدمة المجهود الحربي وتحت تصرفه، فأصبح الإعلام صورة مطابقة للعمليات النفسية الدعائية، وبالتالي بدأنا نعايش بروز نظرية إعلامية جديدة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين في 9تشرين الأول1989 ، وعقب تفجيرات الحادي عشر من أيلول2001 ، وهي نظرية (الدعاية السياسية المسلحة أو الحربية).

    لقد ظهر ذلك جلياً من خلال سنّ المزيد من القوانين لتسخير الإعلام في حفظ الأمن الوطني في الداخل من خطر هجمات الإرهاب، وفي ميادين القتال في الخارج لمطاردته، فأصدرت أمريكا بعد هجمات أيلول ما عرف بـ(قانون باتريوت)، وهو قانون الدفاع رقم واحد الذي يسمح لها بالمراقبة والملاحقة والاعتقال، ومراقبة كل ما قد يشكل خطراً على الأمن بما فيه الإعلام ، وهو ما عكسته تصريحات المسؤولين كوزير الدفاع (رامسفيلد) الذي دعا إلى عدم معارضة الرئيس « لأن انتقاده يشجع أعداء واشنطن ويعرقل حربه على الإرهاب»4 ، وحتى وزير الخارجية السابق (كولن باول) هو الآخر الذي صرح « بأن أمريكا في وضع تاريخي لا يجرؤ أحد معه على المساس بها!! »5 .

    وهذا كله جعل (وليام رو) يقول في الواشنطن بوست :«عمدت الإدارة الأمريكية إلى تفعيل مكتب الإعلام برسالته الرسمية، مما أنعكس على العاملين في الميدان حيث كان انتقاء الأخبار والتعليقات يعكس آراء مطابقة لوجهة النظر الرسمية عن الحرب»6 ولإشاعة ذلك عالمياً استحدثت أمريكا (مكتب التأثير الاستراتيجي) التابع للبنتاغون لنشر معلومات مضلله عبر وسائل الإعلام الأجنبية!!7 .

    الإعلام الحديث وتحديات العولمة

    تعني العولمة باختصار شديد (مركزة العالم في حضارة واحدة) أي إعادة إنتاج العالم وفقاً لثقافة واحدة هي ثقافة الجهة صاحبة المشروع التي تُعرّف بأنها: « تشكيل العالم بوصفه موقفاً واحداً وظهور إنسانية عالمية واحدة»8 وكان مصطلح العولمة قد أعلنه الرئيس الأمريكي بوش الأب أثناء حرب الخليج الثانية 1991 ، وأداته الرئيسة منظمة التجارة العالمية W.T.O التي أنشئت في كانون الثاني 1995،ولا تقتصر مهمتها على مبدأ حرية التجارة ، بل أضيف لبرامجها الحرية الثقافية، « أي حرية الإنسان في أي مكان في تعاطي ما يريده ويرغبه من ألوان الثقافة دون حظر رقابي من حكومته، والهدف تحويل العالم كله إلى النموذج الأمريكي دون إحساس بالدونية» 9 سعياً للهيمنة على وسائل نقل المعرفة لتنميط العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً وحتى عسكرياً بغية إحكام قبضتها على مناحي العالم جميعها .

    ويأتي دور الإعلام ليلعب في ظل العولمة دوره الأكبر في تنفيذ خطط العولمة في تلك المجالات جميعها، وعلى سبيل المثال فإن شبكة السي أن أن C.N.N الأمريكية هي نظام إعلامي أمريكي متكامل ، نصّبت من نفسها قَيِّماً على صياغة الأحداث في العالم، ،مما يؤكد مدى الهيمنة الإعلامية الكاسحة للغرب وخاصة أمريكا، وبالتالي نشر برامج العولمة في المجالات الثقافية والاجتماعية والقيمية ، لإخراج ثقافة جماهيرية(عالمية) واحدة بقوالب محددة مسبقة الصنع.

    وفي ظل العولمة ودور الإعلام الكاسح فيها تظهر مواقف عدة إزاءها ، منها التسليم بها كقدر محتوم، أو الرفض التام لكافة معطياتها ، وآخرها الموقف الوسط الذي يدعو للتمسك بالهوية مع التطوير والتغيير ، بما يتمشى مع الخصوصية الحضارية والتراث والقيم الدينية دون اندماج مطلق وتابع للدول المهيمنة.

    وفي ظل هذه المسائل وغيرها نتساءل عن مدى وعي القائمين على الإعلام بمفهوم الأمن الوطني، وأين تنتهي حرياتهم في إطار الحرية المسؤولة، التي تضفي على عملهم مهنية عالية باعتبارهم السلطة الرابعة ، وحراس البوابة الإعلامية للوطن والمواطن ، الذين نأمل منهم أن يدركوا تماما أن الكلمة أبلغ من الطلقة إن أُحسنت إدارتها في ضوء أن سلاحهم هو الكلمات التي قد تخرج الأفعى من جحرها إن أُحُسنت صياغتها بدبلوماسية تراعي مصلحة الوطن دون مجاملة أو مواربة أو نفاق ، كما أنها قد تشعل الحروب كما قال الشاعر « وإن الحرب مبدؤها الكلام» بل وتوقظ الفتن، وتذكي في النفوس الحقد والكراهية ، وتغرس بين الشعوب والأمم بذور الشك، وتهدم بناء سنين طويلة جراء خبر أو تصريح تحمله وسائل الإعلام، وما خبر تفجيرات الحله عما أقول ببعيد، والجميع يدرك كنه وفحوى ما دار حول هذا الموضوع وما رافقه من أعمال غير مسؤولة مست شغاف قلوبنا بالسوء ، فالأمل أن نصل إلى المستوى المهني والعمل بحرفية عالية نصون من خلالها أمن وطننا بإحساس المواطن المنتمي إلى تراب الأردن العابق بالحب والأمل ونكران الذات، فالإعلام ليس للترفيه والتسلية فحسب بل هو علم وفن واحتراف، يلعب دوره البارز في تثبيت الهوية وتأصيل الثقافة وتطوير وتعزيز السلوك والتوجهات.

    ووفقا لمقولة ومنهجية تؤمن ، أن طفل اليوم هو أردني الغد ، الذي يجب أن تصاغ شخصيته على أسس تكوين وطني، يؤمن بثوابت الدولة وبنظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون مستعداً للدفاع عنها وتعظيمها، فهناك إرث سياسي حضاري تاريخي هاشمي، وهو كفيل إذا ما تم فهمه والتفاعل معه ومحاكاته قولا وفعلا ، بأن يضمن البقاء والقوة والقدرة على الاستمرار والتقدم ، واستشراف المستقبل بقوة ، ويرتكز على قاعدة صلبة مما أكرم الله به هذه الأمة بأن كانت أرضها مهد الديانات السماوية الثلاث، وهي تعتز أكثر ما تعتز بموروثها العربي الإسلامي الاستراتيجي على الدوام .

    لقد أتاح الوطن بقيادته الراشدة مزيدا من الحرية لوسائل الإعلام والإعلاميين، وأكد جلالة قائدنا الأعلى ، أنه لا سقف لحرية الإعلام المسؤولة ، التي في إطارها يكون الصحفي واعياً ومدركاً لمعنى المواطنة، ويستشعر بحسه المهني الراقي معنى أن يكون أهله ووطنه آمنين مطمئنين.

      الوقت/التاريخ الآن هو 14/12/2017, 11:02 pm