الفكر الاستراتيجى

نشر الفكر والتحليل الاستراتيجى

التبادل الاعلاني

شارك بالتصويت

جنوب السودان بين الوحدة والانفصال

التبادل الاعلاني


    الخلافة الإسلامية

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 56
    استراتيجى : 0
    تاريخ التسجيل : 25/12/2009

    الخلافة الإسلامية

    مُساهمة  المدير العام في 11/1/2010, 12:42 am

    الخلافة الإسلامية

    أولاً: وجوبها

    إذا كان العدل هو أول خصائص النظام الإسلامي، فإن الخلافة هي أميز تلك الخصائص، في إطار اختيار الخليفة، عن طريق بيعة الخاصة (أهل العقد والعقد)، ثم بيعة العامة.

    فالخلافة في حقيقتها، رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي r.

    وقد ميزّ العلماء، بين ثلاثة أنواع من نظم الحكم: الحكم الواقعي، الذي تسيطر فيه القوة؛ والحكم السياسي، المبني على قواعد العقل؛ والحكم الإسلامي المبني على الشريعة.

    والحاكم أو الخليفة في الإسلام، لا يُمارس السلطة على أنها امتياز شخصي له، بل هو أمين على السلطة، يمارسها بصورة مؤقتة ونيابة عن الأمة.

    ويرى الدكتور عبدالرازق أحمد السنهوري، في مؤلفه عن الخلافة، أن عقد الإمامة عقد حقيقي مبني على الرضا، وأن الخليفة أو رئيس الدولة في الإسلام، يتولى السلطة نيابة عن الأمة، فالأمة صاحبة السلطة، تفوض الحاكم في ممارسة السلطة، نيابة عنها، ووفقا لعقد صحيح بينها وبينه.

    ثانياً: تميُّزها مفهوماً ومصطلحاً

    ظهر الإسلام، بعد أن سبقته ديانات سماوية وغير سماوية، فلم يُعْرف ولم يُسمَّ بغير الإسلام. ثم قامت الخلافة، بعد النبوة، ونيابة عنها، بعد أن سبقتها أنظمة سياسية متعددة، في أنحاء كثيرة من العالم، بعضها ديني خالص، وبعضها مدني خالص، وطائفة خضعت للملكية، وأخرى نَعِمت بالجمهورية. ومع ذلك فلم يُعْرف نظام الإسلام السياسي، ولم يُسمَّ إلاّ بالخلافة. وبقيت الخلافة أربعة عشر قرناً، عنواناً على نظام إسلامي، ورمزاً لحضارة إسلامية.

    وقد نشأت بعد الإسلام، وبعد قيام نظام الخلافة، أنظمة متعددة، ومذاهب وفرق شتى، اختلفت في الدين، وفي السياسة، وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، وفي كل شؤون الحياة. وكان للدراسات العربية نصيب في هذه التيارات العديدة، التي نشأت، وكان لبعض هذه التيارات أنصار ومعجبون، وربما كان لها متبعون معتقدون، يدعون إليها بمختلف الوسائل والطرق، وربما حمّلوا النصوص ما لا تطيق، وربما فسّروا حوادث التاريخ على غير وجهها، وربما خلطوا بين النص والواقع التاريخي، فحمّلوا النصوص أوزار الواقع. وقد صدرت كتب متعددة هذه الأيام، تحاول أن تجر نظام الإسلام إلى هذا النحو أو ذاك، وأن ترى فيه ما هو بعيد عنه في الحقيقة والواقع.

    إن الخلافة، كنظام سياسي في الإسلام، نظام مستقل، إذا أشبهته بعض الأنظمة السياسية القديمة أو الحديثة في بعض نواحيه، فهذا لا يقرّبه منها، ولا يبعده عنها، وإنما يجعله نظاماً خاصاً قائماً بين النظم القديمة والحديثة. لا يمكن أن يكون ملكياً؛ لأن الخليفة يحكم الناس طول حياته، ولا جمهورياً لأنه يفترض أن يُنتخب انتخاباً، ولا اشتراكياً لأنه أمرَ بالعدل، والإحسان، والمساواة، ورعاية اليتيم، والفقير، والمسكين، وفرض الزكاة، ولا رأسمالياً لأنه احترم الملكية الفردية، ولم يلغ الغنى، وإنما الخلافة نظام ديني سياسي فريد، بين هذه النظم، لا يجوز أن يُطلق عليه اسم من الأسماء القديمة أو الحديثة، ولا يُسمى بغير اسمه. هذا ما يقرره العلم الخالص، وما تفرضه الدراسة المتجردة للإسلام، باعتباره نظاماً مستقلاً، بالمقارنة مع الأنظمة السياسية الأخرى.

    أضف إلى ذلك، إن هذه المصطلحات السياسية الحديثة، كالديموقراطية، والجمهورية، والاشتراكية وغيرها، أصبحت لها مدلولات خاصة لا تحيد عنها تقريباً، على الرغم من أن الملكية مثلاً مطلقة، ودستورية، وبين بين؛ والجمهورية برلمانية، ورئاسية، وشعبية ديموقراطية؛ وغير ذلك، والاشتراكية أنواع وطبقات، واختلاف في التطبيق. غير أن هذه المصطلحات جميعاً ترجع إلى أصل واحد، له تعريفات محددة في المعاجم السياسية، وفي الكتب التي يتداولها أهل الاختصاص. لذلك، فليس من العدل، ولا من العلم، أن يُسمى نظام عمره أربعة عشر قرناً، باسم حديث قد يتفق معه في أمور، ويختلف معه في أمور أخرى، وربما كانت مواضع الاختلاف، أكثر بكثير من مواضع الاتفاق.

    ثالثاً: طبيعتها

    يمثل نظام الخلافة ـ بلا شك ـ أهم ما تجسدت فيه مبادئ الإسلام السياسية. وقد كثرت أقوال الباحثين في ذلك، من العرب والأعاجم. وربما كان طه حسين من أفضل المفكرين، الذين تحدثوا في هذه الموضوع، قال:

    (الذين يظنون أن نظام الحكم، في هذا الصدر من حياة المسلمين كان إلهياً، يُخدعون عن رأيهم هذا بما يجدون في أحاديث الخلفاء وخطبهم، وفي أحاديث الناس عنهم وإليهم، من ذكر الله وأمره وسلطانه وطاعته. يحسبون أن هذا كله يدل على أن نظام الحكم، منزلٌ من السماء، مع أنه لا يدل في حقيقة الأمر، إلاّ على شيء يسير خطير في وقت واحد، وهو أن الخلافة عهد بين المسلمين وخلفائهم، وأن الله أمر المسلمين بأن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، سواء أكان هذا العهد متصلاً بشؤون الحكم أم متصلاً بالعلاقات الخارجية، أم متصلاً بما يكون بين الأفراد من العهود والمواثيق؛ فالله يأمر باحترام العهود، والله شاهد على ضمائر الناس حين يوفون بالعهود، أو ينكثونها، والله يثيب من وفى بالعهد، ويعاقب من نكثه عقاباً شديداً.

    فليس بين الإسلام وبين المسيحية، مثلاً، فرق من هذه الناحية. فالإسلام دين يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويوجه إلى الخير ويصد عن الشر، ويريد أن تقوم أمور الناس على العدل، وتبرأ من الجور، ثم يُخلي، بعد ذلك، بينهم وبين أمورهم يدبرونها كما يرون، ما داموا يرعون هذه الحدود؛ ولا تزيد المسيحية على هذا ولا تنقص منه؛ ولأمر ما قال عيسى u، للذين جادلوه من بنى إسرائيل: (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وما أشك في أن عيسى u، لم يرد أن يُعطى ما لقيصر لقيصر بغير حقه، أو أن تقوم الصلة بين قيصر وبين الناس على الظلم والجور والخوف).

    لم يكن نظام الحكم، إذن، أيام النبي تيوقراطية مقدسة، وإنما كان أمراً من أمور الناس، يقع فيه الخطأ والصواب، ويُتاح للناس أن يعرفوا منه وأن ينكروا، وأن يرضوا عنه ويسخطوا عليه.

    ويظن آخرون، أن نظام الحكم أيام النبي وصاحبيه، كان نظاماً ديمقراطياً، وهذا تجوّز في الألفاظ، وخروج بها عن الدقائق من معانيها؛ وقد ينبغي أن نتبين معنى الديموقراطية بالدقة، قبل أن نقول إن نظام الحكم، هذا أو ذاك، كان أو لم يكن ديموقراطياً.

    الديموقراطية لفظ يدل به على حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي على أن يختار الشعب حكامه اختياراً حراً، ويراقبهم مراقبة حرة، ليتبين أنهم يحكمونه لمصلحته هو، لا لمصلحتهم هم، ويعزلهم أن لم يرض عن حكمهم، ولم يطمئن إلى الثقة بهم.

    على هذا النحو فُهمت الديموقراطية، في العصور القديمة عند اليونان، وكذلك تفهم الديموقراطية في العصور الحديثة عند الأمم، التي تصطنع هذا النظام، على اختلاف مع ذلك في فهم كلمة الشعب؛ فهذه الكلمة كانت تضيق في أيام اليونان، مثلاً، حتى لا تدل إلاّ على جماعة ضئيلة من المواطنين، لهم وحدهم جميع الحقوق، يستوون فيها أمام القانون. على حين لا تستمتع الكثرة الكثيرة من الناس بشيء من هذه الحقوق، ولا تُسهم في أمور الحكم بنصيب. وكان هذا اللفظ يتسع بعد الثورة الفرنسية، إلى حيث يشمل عدداً ضخماً من المواطنين، يكون لهم الاستمتاع بالحقوق السياسية، ولكنه لا يشملهم جميعاً؛ فهو محدد بملك مقدار من المال، أو أداء مقدار معين من الضرائب، أو تحصيل قدر معين من الثقافة؛ ثم اتسع في آخر القرن الماضي حتى شمل المواطنين جميعاً من الرجال، منذ بلوغهم الرشد، ثم اتسع في هذا القرن حتى شمل الرجال والنساء منذ بلوغهم الرشد. وللديموقراطية بعد ذلك، سواء أكانت ضيقة أم واسعة، نظم مقررة تكفل استمتاع الشعب بحقوقه، واختياره لحكامه، ومراقبته لهؤلاء الحكام.

    فإذا فُهمت الديموقراطية على هذا المعنى الدقيق، فليس من شك في أن نظام الحكم، في الصدر الأول من حياة المسلمين لم يكن ديمقراطياً؛ فالشعب لم يكن يختار حكامه بهذا المعنى الدقيق، وليس الشعب هو الذي اختار النبي r ليبلغه رسالات ربه، وليقيم الأمر فيه بالقسط والعدل؛ ولكن الله أرسل رسوله فاتبعه من اتبعه، وخالف عنه من خالف عنه؛ وإذا قيل إن الذين اتبعوا النبي r من أصحابه، قد اختاروه ليكون لهم حاكماً، فهم لم يختاروه على النحو، الذي يُختار عليه الحكام في النظام الديموقراطي، وهم لم يكونوا يراقبونه ولا يحاسبونه، وإنما كان النبي r يستشيرهم فيشيرون عليه، وكانوا يشيرون عليه حسبة أحياناً، وكان يقبل منهم، أو لا يقبل.

    وليس من الدقة في شيء أن يُقال، إن حكم أبى بكر وعمر كان حكماً ديموقراطياً، بالمعنى الدقيق، فليس كل المسلمين قد اختاروا أبا بكر وعمر لأمر الخلافة، وإنما اختارهما فريق بعينه من المسلمين، هم أولو الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، على ما كان بينهم في ذلك من اختلاف أول الأمر.

    ولم يُستأمر العرب، الذين مات النبي وهم مسلمون، من أهل مكة والطائف والبادية في اختيار أبى بكر أو عمر، وإنما اختارهما أهل المدينة، فسمع لهم سائر المسلمين وأطاعوا.

    فإذا أطلق لفظ الديموقراطية على هذا المعنى العام، الذي يُفهم منه حاجة الحكام إلى رضا الشعب عنهم، وثقة الشعب بهم، وأخذ الحكام أنفسهم بأن يسيروا في الشعب سيرة تقوم على العدل والمساواة، وتبرأ من التسلط والاستعلاء، يُمكن أن يُقال إن نظام الحكم في الصدر الأول للإسلام، كان نظاماً ديمقراطياً بهذا المعنى، الذي ليس له مقاييس، ولا معايير، ولا حدود. وسيُرى أثر ذلك، فيما عرض للمسلمين من أمور الفتنة أيام عثمان.

    وقد يظن بعض الناس، أن نظام الحكم في ذلك الصدر من الإسلام، كان نظام السلطان الفردي العادل؛ فلم يكن للنبي، ولا لصاحبيه من بعده شركاء في الحكم، وإنما كان لهم من أصحابهم مشيرون، لا يُلزمهم بمشورتهم أحد؛ ولكن النبي وصاحبيه كانوا على ذلك يتوخون العدل، ولا يتوخون غيره.

    وهذا النحو من التفكير، يَقْرُب نظام الحكم، إلى حد ما، من النظام الذي عرفه الرومان أيام الملوك والقياصرة؛ فقد كان ملوك روما وقياصرتها لا يتوارثون الحكم حتماً، وإنما يُنتخب أكثرهم انتخاباً، وكان أحدهم إذا انتُخب، وَلِي الأمر حياته كلها، إلاّ أن تخلعه من الحُكم ثورة أو موت.

    إن الفرق بين هذا النظام الروماني، وبين النظام الإسلامي، أيام النبي r وصاحبيه، هو أن العدل كان وحده قوام الحكم، فيما عَرِف المسلمون من هذا النظام. على حين كان ملوك الرومان وقياصرتهم، يتجاوزون العدل والقسط في كثير من الأحيان.

    فمن المعروف أن الدين كان له سلطانه، في اختيار الملوك والقياصرة عند الرومان، وفيما يكون من سيرة هؤلاء الملوك والقياصرة. ولكن الفرق بين النظام الروماني والإسلامي، هو الفرق بين دين ودين، كما أنه الفرق بين جنس وجنس، وبين بيئة وبيئة؛ فلم يكن للدين، الذي سيطر على ملوك الرومان خاصة، وعلى قياصرتهم إلى حد ما، من النقاء والسّمو ما يشبه نقاء الديانات السماوية من قريب أو بعيد؛ إنما كان دين الرومان يقوم على العيافة، والزجر، واستطلاع ضمائر الغيب بطرق تثير الضحك والسخرية، وكان تطور الشعب الروماني، من حياته الساذجة الأولى إلى حياته المعقدة، مُباعداً كل البعد لتطور الشعب العربي، من جاهليته إلى إسلامه؛ فقد كان التطور الروماني مادياً، إن صح هذا التعبير، نشأ من تقدم الحضارة قليلاً قليلاً. على حين كان التطور العربي معنوياً، نشأ من تغير النفس العربية بتأثير الإسلام، وكأنه كان تطوراً من داخل إلى خارج. تغيرت النفس العربية، فتغيرت الحياة المادية للعرب، على حين كان التطور الروماني من خارج إلى داخل، تغيرت ظروف الرومان الخارجية، فتطورت نفوسهم وضمائرهم.

    والبيئتان، من بعد ذلك، مختلفان بمقدار ما يكون الاختلاف، بين إيطاليا والحجاز. إذن فليس غريباً ألاّ يكون هناك تشابه، بين نظام الحكم الروماني أيام الملوك، أو أيام القياصرة، ونظام الحكم في الصدر الأول للإسلام.

    ولعل تشابهاً، بعيداً أو قريباً، كان بين نظام الحكم الروماني أيام الجمهورية، ونظام الحكم الإسلامي بعد وفاة النبي r. فقد كان الرومان يختارون قناصلهم، على نحو يوشك أن يشبه اختيار المسلمين لخلفائهم؛ وإلى شيء من ذلك نحا الأنصار حين قالوا للمهاجرين : منا أمير ومنكم أمير، ثم كان سلطان القنصل بعد اختياره، يشبه في عمومه وشموله سلطان الخلفاء؛ إلاّ أن سلطان القنصل كان موقوتاً بسنة واحدة، وكان سلطان الخلفاء يمتد مدى الحياة، بعد اختيار الخليفة؛ وكان سلطان القنصل مقيداً بالقوانين، التي تصدرها جماعة الشعب، والقرارات التي يصدرها مجلس الشيوخ، كما كان سلطان الخليفة مقيداً بالحدود التي رسمها الدين، وبما يرى كبار الصحابة من رأي، وبما تميل إليه، أو تنحرف عنه، عامة المسلمين.

    ولكن هذه كلها وجوه للتشابه، يظهر فيها التكلف والتصنع والإبعاد؛ فإذا أضفنا إليها مظاهر الحكم، التي كانت تحيط بالقنصل، ولم يكن يحيط منها شيء بالخليفة، وإذا أضفنا إلى ذلك بعض النظم، التي اقتضتها ظروف الجمهورية الرومانية، لتقييد سلطان القنصل، وحماية العامة من تحكمه، كنظام الزعماء، الذين كانت الدهماء تنتخبهم ليكفوا عنها جور القنصل إن هَمَّ القنصل بشيء من الجور؛ إذا أضفنا هذه الفروق إلى وجوه الشبه تلك المتكلفة، كان من الواضح أن ليس هناك صلة، بين نظام الحكم العربي، في ذلك العهد القصير، وبين نظم الرومان في عهد الملوك، أو عهد الجمهورية، أو عهد القياصرة.

    لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد، نظام حكم مطلق، ولا نظاماً ديمقراطياً، على نحو ما عرفه اليونان، ولا نظاماً ملكياً، أو جمهورياً أو قيصرياً مقيداً، على نحو ما عرفه الرومان. وإنما كان نظاماً عربياً خالصاً، بيّن الإسلام حدوده العامة من جهة، وحاول المسلمون أن يملؤوا ما بين هذه الحدود، من جهة أخرى.

    فنظام الحكم العربي الإسلامي في ذلك العهد، لم يكن ملكياً، ولم يكن يؤذي النبي وصاحبيه شيء، كما كان يؤذيهم أن يُظهر لهم الملك؛ وهو لم يكن جمهورياً، فلم يُعْرف في نظم الجمهورية، نظاماً للرئيس المنتخب يرقى فيه إلى الحكم، فلا ينزله عنه إلاّ الموت؛ ولم يكن قيصرياً بالمعنى، الذي عرفه الرومان، فلم يكن الجيش هو الذي يختار الخلفاء. فهو إذن نظام عربي إسلامي خالص، لم يُسبق العرب إليه، ثم لم يقلدوا بعد ذلك فيه.

    رابعاً: خصائصها

    تتميز الخلافة الإسلامية، عن الحكومات الأخرى، بالخصائص الآتية:

    1. أن اختصاصات الخلافة الإسلامية، بصفة عامة، تقوم على التكامل، بين الشؤون الدنيوية والدينية.

    2. أن حكومة الخلافة ملزمة، بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية.

    3. أن الخلافة الإسلامية، تقوم على وحدة العالم الإسلامي.

    فالخلافة الإسلامية حكومة من نوع خاصٍ، له خصائصه المميزة له؛ فإذا لم تؤخذ بعين الاعتبار هذه الخصائص، فلا يُمكن فهم الجدل الطويل، الذي يدور حول وجوب الخلافة أو عدم وجوبها.

    1. وجوب الخلافة


    يرى أهل السُّنة والمعتزلة، أن الخلافة واجب شرعي؛ ولكن يختلفون في أساس هذا الوجوب، فبينما يرى أهل السنة أن سند وجوب الخلافة هو الإجماع، يرى عامة المعتزلة أن سند الوجوب هو العقل.


    وهناك طائفة من المعتزلة، ترى أن سند وجوب الخلافة، شرعي وعقلي في وقت واحد.


    بينما يرى الشيعة وجوب الخلافة، لكن استناداً إلى النص على الإمام، حسب ما تقرره أصولهم.


    فأهل السُّنة يستندون إلى الإجماع، حيث توجد سوابق تاريخية مؤكدة، أجمع الصحابة فيها على ضرورة اختيار واحد منهم رئيساً يقوم مقام النبي r، بل شرعوا في انتخاب الخليفة قبل أن يُدفن النبي r، مما يؤكد صفة الاستعجال والخطورة لهذه المسألة (تنصيب الخليفة)، في نظرهم.


    ومهما كان الخلاف بين الأنصار والمهاجرين، أو بين بعض المهاجرين وبعض آخر، فإنه كان مقصوراً على اختيار شخص الخليفة من بين المرشحين، ولكنه لم يَنْصَبْ قط على مبدأ وجوب اختيار الخليفة، ولا على وجوب الخلافة.


    ويستند المعتزلة في القول بوجوب الخلافة، إلى أنها واجبة بحكم العقل. فوجود حكومة للمجتمع الإسلامي، ضرورة يحتمها العقل، لأنه لا يمكن وجود مجتمع دون رئيس.


    وواضح أن حجة المعتزلة، تنصب على مبدأ وجود حكومة في المجتمع الإسلامي، كغيره من المجتمعات. لذلك، كانت حجتهم، مقارنة لما قال به غيرهم من فلاسفة الحكم الأوربيين، على أساس وجوب الخلافة، ولم يحاولوا وضع تنظيم كامل لحكومة الخلافة، على الأساس العقلي الذي يتميز به مذهبهم.


    ويستطيع أهل السُّنة أن يردوا على حجج المعتزلة، بأنها تبرر وجود حكومة، ولكنها لا تصلح أساساً لوجوب ذلك النظام المتميز من أنظمة الحكم، وهو الخلافة.


    ولهذا، فإن الدليل العقلي إذا كان يستوجب وجود سلطة عامة، أيا ما كان شكلها، فإن الدليل الشرعي هو الذي يستوجب أن تكون هذه الحكومة، قد توفرت فيها الخصائص المميزة لنظام الخلافة.


    والفرقة الإسلامية الوحيدة، التي خرجت على الإجماع بوجوب الخلافة، هي فرقة الخوارج، حيث ذهبوا إلى أن الخلافة ليست ضرورية دائما، فإن الناس يمكن أن يحققوا مصالحهم وينظّموا أمورهم من دون حاجة إلى سلطة نظامية تحكمهم. كما أن الخلافة ليست نافعة دائما، حيث لا يمكن الوصول إلى الخليفة والانتفاع به في جميع الأوقات، إلاّ لعدد قليل. كما أن الخلافة أدت في كثير من الأحيان، إلى الفتن والحروب. كما أن تنصيب الخليفة ليس ممكناً دائماً، إذ الشروط اللازمة في الخليفة لا يمكن توافرها في جميع الأوقات. وفي هذه الحالة إذا فرضنا على المسلمين إقامة خليفة، فمعناه أننا نلزمهم باختيار خليفة لم تتوفر فيه الشروط الشرعية، وهذا يخالف الشرع، أو نلزمهم بعدم اختيار خليفة، وهذا مخالف أيضا للشرع.

      الوقت/التاريخ الآن هو 14/12/2017, 10:56 pm