الفكر الاستراتيجى

نشر الفكر والتحليل الاستراتيجى

التبادل الاعلاني

شارك بالتصويت

جنوب السودان بين الوحدة والانفصال

التبادل الاعلاني


    تقدير موقف استراتيجي سياسي اسرائيلي

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 56
    استراتيجى : 0
    تاريخ التسجيل : 25/12/2009

    تقدير موقف استراتيجي سياسي اسرائيلي

    مُساهمة  المدير العام في 9/11/2010, 4:31 pm

    بقلم: عيران عتسيون: رئيس شعبة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية سابقاً ونائب لرئيس هيئة الأمن القومي في الأعوام 2005ـ2008.

    خلفية ومنهجية
    نفذت وزارة الخارجية في الشهور الأخيرة، للمرة الأولى في تاريخها، مشروعاً لتقدير الموقف السياسي ـ الاستراتيجي. وكان الهدف من تقدير الموقف هذا تشخيص تطور الاتجاهات، المحلية، الإقليمية والدولية، لتقدير مغازيها وبلورة توصيات للسياسة الخارجية الإسرائيلية.

    ولهذا الغرض تأسست منهجية هادفة، وتشكل 17 طاقماً بين الدوائر، وعقد مؤتمر لثلاثة أيام، "مؤتمر وزارة الخارجية للسياسة والاستراتيجيا". ومع إتمام عملية دمج كل حصاد المجموعات، وتنقيح أسس تقدير الموقف، بدأت عملية بلورة الأهداف العليا والأهداف الفرعية لوزارة الخارجية. والأهداف التي هي مشتقة بداهة وبشكل مباشر من تقدير الموقف، تشكل بدورها الأساس لبلورة خطة العمل لدوائر الوزارة والممثليات في الخارج. وفي النهاية، فإن هذه عدة مواضيع حرجة تستلزم تركيز الجهد بين الوزاري ( التكاملي) الخاص في السنة المقبلة، والذي يتم بحثه تحت إشراف دائم من طاقم التوجيه برئاسة المدير العام للوزارة.

    وتم توزيع الوثيقة بكاملها، وفيها تقدير الموقف، الأهداف ومراكز الجهد، على القيادة السياسية ـ الأمنية، ووضعت على طاولة الحكومة الجديدة. وعندما جئنا لإجراء تقدير الموقف الأول في وزارة الخارجية، حاولنا التعلم من خبرة الأذرع الأمنية، شعبة التخطيط في هيئة الأركان العامة، جهاز الأمن العام (الشاباك) وهيئة الأمن القومي، وكذلك من خبرة وزارة الخارجية البريطانية. وقد شدّدت منهجية أذرع الأمن، وبحق، على تشخيص الأخطار الأمنية المركزية وعلى الرد الأمني ـ العسكري على هذه المخاطر. ويفترض بوزارة الخارجية كجهة مسؤولة عن صياغة السياسة الخارجية، إضافة إلى تشخيص المخاطر في الحلبة السياسية، أن تشخص الفرص السياسية، وإمكانيات تطوير العلاقات الثنائية، الجماعية، الاقتصادية والثقافية، وتوجيه الجهود الدبلوماسية العامة (الدعاية) والمساعدات الخارجية الإسرائيلية وفقاً لذلك.

    وقد بنى التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، الذي قاد المشروع، هيكل محصلة موحّداً، شكل إطاراً لعمل الطواقم، وشمل تكوين صورة الموقف، أسس الميول الاستراتيجية، تشخيص المصالح ذات الصلة، تقدير دولة إسرائيل، تحليل البدائل وتوصيات للعمل.

    وما أن تبلورت المسودة الأولى لهذه المحصلة، حتى اجتمع الطاقم بأسره مع مجموعة انتقاد ـ "طاقم الردّ"، الذي تشكّل من خبراء كبار في مجال الأمن والاستراتيجيا. وأسهم أعضاء هذا الطاقم وهم جميعاً من ذوي الخبرة السياسية ـ الأمنية الكبيرة، مساهمة جمّة في تركيز المحصلة وتوضيح المقومات والتوصيات.

    وفي ختام شهرين من العمل في الطواقم، عقد في وزارة الخارجية "مؤتمر وزارة الخارجية للسياسة والاستراتيجيا"، والذي شمل ثلاثة أيام من المداولات. وفي إطار المؤتمر تمّ عرض تقديرات موقف لشخصيات رائدة في الحلبة الدولية، بينها وزير الخارجية الفرنسي، وزير الخارجية الألماني السابق، وزير خارجية السلطة الفلسطينية، مدير عام وزارة الخارجية السنغافورية، رئيس التخطيط السياسي الفرنسي وآخرون. وفضلاً عن ذلك في اليومين التاليين بحثت إدارة وزارة الخارجية برئاسة المدير العام أهرون أبراموفيتش مع موظفي الوزارة ومع حوالى 15 سفيراً كبيراً تمت دعوتهم للمؤتمر، في كل القضايا السياسية، الاستراتيجية المدرجة على جدول الأعمال.

    وفي هذه المقالة ستعرض المكونات المركزية من تقدير الموقف، وذلك بسبب المساحة وبسبب القيود التي تفرضها متطلبات أمن المعلومات.

    أساسيات تقدير الموقف ـ الحلبة الدولية
    فيما يتعلق بالحلبة الدولية ـ هامش العمل الطبيعي لوزارة الخارجية ـ أثيرت للنقاش التغييرات المركزية في الحلبة الدولية، كما تجلت في الحوار الدبلوماسي، السياسي ـ الأمني والأكاديمي، وبالخصوص منذ أحداث الحادي عشر من أيلول، والمبادرة إلى شن معارك عسكرية على الإرهاب في أفغانستان وفي العراق.

    وهنا نلحظ أربعة أنواع من التغييرات في الحلبة الدولية، وجميعها تؤثر مباشرة على دولة إسرائيل. وأولها، التغييرات في تناسب القوة بين القوة الأعظم وهي الولايات المتحدة وباقي القوى العظمى الصاعدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، وثمة من يضيف إليها الهند. وتشكل هذه القضية موضوعاً لعدد لا ينتهي من المقالات والمداولات داخل المنظومات السياسية ـ الأمنية في أرجاء العالم وفي الميدان الأكاديمي. ورغم عدم وجود إجماع بشأنها، حتى بين الخبراء في إسرائيل، فإن بالوسع الإشارة بوضوح إلى صعود هام في قوة "القوى الجديدة"، في الأساس الصين، الهند وروسيا. وهناك من يسمّي المنظومة العالمية المتشكلة بـ"متعددة الأقطاب" (Multi-Polar) فيما يزعم آخرون بأنها "عديمة الأقطاب" (Non-Polar) وهناك من يواصل الزعم أن الجبروت الحاسم للولايات المتحدة سيواصل المحافظة على فجوة لا يمكن التجسير فوقها مع منافسيها، بالضبط كما حدث منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

    وترى روسيا نفسها قوة عظمى تواصل دور الاتحاد السوفييتي سابقاً، ورغم التحديات الداخلية الهامة التي تجابهها، فإنها تعمل من أجل تعزيز مكانتها في مواجهة الهيمنة الأميركية. وتضع أزمة نشر منظومات الدفاع الجوي في بولندا وتشيكيا، ونمط إدارة الحرب في جورجيا ونتائجها، وكذلك "رواسب" إدارة بوش روسيا في موقع مريح نسبياً في مواجهة إدارة أوباما. ومن جانبها فإن هذه الإدارة بحاجة إلى قرار بشأن الاستراتيجية الشاملة تجاه روسيا، على المحور بين المواجهة والتسوية. وسوف تضطر السياسة الإسرائيلية إزاء روسيا لمواصلة الحوار الاستراتيجي عبر التطلع لأن تأخذ روسيا بالحسبان المصالح الإسرائيلية، في الأساس في كل ما يتعلق ببيع الأسلحة لإيران وسوريا.

    ومن البديهي من الزاوية الإسرائيلية أن هناك أهمية حاسمة للتشخيص الدقيق والمبكر قدر الإمكان لهذه الميول، وبلورة سياسة خارجية إسرائيلية تتناسب ليس فقط مع الوضع الراهن، وإنما تسعى كذلك لتموضع إسرائيلي مثالي، في رؤية بعيدة المدى. وحتى إذا واصلت الولايات المتحدة كونها الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل في المستقبل المنظور، فهناك أهمية قصوى لتعميق علاقاتنا مع القوى العظمى الصاعدة. ويعتبر العثور على التوازن الصائب الذي تتصرف وفقه السياسة الخارجية الإسرائيلية في العلاقات بين القوى العظمى أحد التحديات المركزية للسياسة الخارجية في السنوات القريبة.

    ويتعلق التغيير الثاني في الحلبة الدولية بمفهوم "القوة العظمى" ذاته، حيث كان معهوداً إلى وقت غير بعيد تقدير عظمة قوة الدول والجهات الدولية أساساً وفق معايير القوة العسكرية، أي ما يُسمّى بـ"القوة الصلبة". ولكن في السنوات الأخيرة، وكدرس من ميادين المعارك في أفغانستان والعراق، ونتيجة الصعود المثير للصين والهند، تعزز الفهم بأن تقدير القوة يستلزم إدراج معايير أخرى، يطلق عليها عموماً اسم "القوة الناعمة".

    والمقصود هنا أولاً، القوة الاقتصادية، التكنولوجية، الدبلوماسية بل والثقافية، والتي يتزايد وزنها النسبي في مقياس قوة الدول.
    وثانياً شاع مؤخراً استخدام تعبير عمومي هو "القوة الحكيمة"، المفترض أن تمزج بشكل مثالي بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.

    وشدّد التفكير الإسرائيلي التقليدي كثيراً على "القوة الصلبة"، ومال إلى التبخيس من قدر مقومات "القوة الناعمة". وهذا ما كان فعلياً سواء في تقديرات الاستخبارات، والتي في طبيعتها تميل للزوايا العسكرية ـ الأمنية، أو بشأن سيرورات بلورة السياسة الإسرائيلية ذاتها، والتي تقاد بدرجة كبيرة، كما هو معلوم، بأيدي الأذرع الأمنية. وتجوز الإشارة إلى أن تخصيص الموارد في إسرائيل يتناسب تماماً مع صورة العالم هذه. ويكفي التذكير بأن المساعدات الخارجية الإسرائيلية، وهي مورد مركزي في سياقات القوة الناعمة، والتي تمول بنسبة لا تزيد عن 0،068 % من الناتج القومي العام لإسرائيل في العالم 2007 (مقارنة بمعدلات دول OECD التي تصل في المتوسط إلى 0،46 % من الناتج القومي العام) للسنوات 2006ـ2007. وعلى افتراض أن إسرائيل التي شرعت بإجراءات الانضمام إلى OECD ستتطلع للتماثل مع المتوسط، فإن ميزانية المساعدات الخارجية الإسرائيلية تحتاج إلى الزيادة بسبعة أضعاف!) فميزانية تصدير الثقافة الإسرائيلية، والبالغة 18 مليون شيكل سنويا (4،5 مليون دولار تقريبا) هي مثال آخر محزن.

    وفي إطار تقدير الموقف لاحظنا أن التوجه العالمي للنشاط في ميادين القوة الناعمة يوفر فرصة جوهرية لإسرائيل. فأفضلياتنا النسبية في مجالات التكنولوجيا العالية، الزراعة، الأبحاث والتطوير في ميادين مثل الطاقة المتجدّدة و"التكنولوجيا النظيفة"، إلى جانب الاهتمام والتقدير العالي للثقافة الإسرائيلية بتنوعاتها، كما تجلى ذلك في الكثير من المسابقات الدولية، كلها تشكل ذخراً استراتيجياً للسياسة الإسرائيلية. ويتطلّب الأمر نشاطاً بين وزاري، بالتعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات ذات الصلة، من أجل تجسيد القدرة الكامنة الوفيرة القائمة في القوة الإسرائيلية الناعمة. وقد وضعت وزارة الخارجية لنفسها هدفاً هذا العام، في إطار ستة تركيزات الجهد، إعادة النظر في استراتيجية المساعدة الخارجية الإسرائيلية، التي تشكل أداة مركزية لتجسيد القوة الناعمة. وعلاوة على ذلك، سوف تنفذ شعبة التخطيط السياسي تجربة لبلورة معايير محدثة لتقييم القوة القومية بكل مكوناتها، بهدف خلق أدوات محسنة لتقدير الموقف. فالحاجة لتشخيص وتقدير معاني الأزمة الاقتصادية العالمية بأبعاد السياسة الخارجية تشكل حافزاً لبذل هذه الجهود.

    ويتصل التغيير الثالث في الحلبة الدولية بأنواع اللاعبين على هذا المسرح. وإذا كانت المنظومة الدولية قد صيغت في الماضي تقريباً فقط بأيدي لاعبين ممثلين لدول، ففي السنوات الأخيرة طرأت زيادة هامة في وزن "لاعبين لا يمثلون دولاً". وهؤلاء ينقسمون إلى لاعبي "ما دون الدولة" مثل المنظمات الإرهابية ومن دون تشبيه أيضاً، المنظمات غير الحكومية (NGO’s)، ولاعبين لا يمثلون دولاً مثل الشركات التجارية، ولاعبين "فوق الدول" مثل المنظمات الدولية والإقليمية. وتحتاج السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى بلورة نظريات وأساليب عمل جديدة تناسب الحلبة المتغيرة. وهذه الأمور مفترضة أساساً في السياسة مقابل المنظمات الإرهابية التي تعمل حالياً بنمط "شبه دولة" مثل حماس وحزب الله، ولكن أيضاً مقابل تنظيمات غير حكومية، إقليمية ودولية. ويعتبر تطور علاقات إسرائيل مع حلف الناتو مثالاً إيجابياً في هذا السياق، كما هو الحال في الجهد لتطوير علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي. أما الخطر "دون الدولة" المركزي فهو ممثل، كما سلف، بحماس وحزب الله، واللذين فضلاً عن الاختلاف الجوهري بينهما وبين مميزات الكيانات التي يعملان فيها، يتصرفان على قاعدة مبادئ موجهة متشابهة (معظمها بتأثير بارز من إيران). وفي هذا الإطار تبرز: محاولاتهما الدائمة لتشويش واقع أنهما "عنوان" دولة تتحمّل المسؤولية، انغماسهما العسكري في أوساط السكان المدنيين، وارتكازهما على منطق إنهاك الجبهة الداخلية المدنية الإسرائيلية (بواسطة إطلاق النار منحني المسار). وكل هذه تسمح "بتحييد" القدرة الإسرائيلية على تحقيق "الحسم السريع"، المطلوب وفقاً لنظرية الأمن الإسرائيلية وتحويل "خسارة" عسكرية (ومدنية)، بصرف النظر عن شدّتها، إلى "نصر" استراتيجي، في الأساس في ضوء رؤية فوارق القوة بين الطرفين. ويتحول الخطر إلى أشد بكثير في ضوء كونه جزءاً من منظومة أوسع مقابل لاعبين دوليين، إيران وسوريا، اللتين تحظيان بذلك من ردع غير مباشر ومتواصل لإسرائيل، وأيضاً بتقليص المخاطر عليهما كدول وكذلك، من احتمالات التهديد بتوسيع نطاق المعركة، وإدارتها، وقت الحاجة، في جبهتين على الأقل (شمالية وجنوبية)، وبذلك زيادة التحدي لقدرات إسرائيل.

    ويتعامل التغيير الرابع مع جدول الأعمال الدولي: فقد أضيفت في السنوات الأخيرة إلى مواضيع الأمن القومي "التقليدية" مثل النزاعات الإقليمية، مواضيع أمن كونية تتخطى الحدود، برزت بينها بقوة قضايا مثل حظر انتشار الأسلحة غير التقليدية، ومكافحة الإرهاب. وفضلاً عن ذلك، تحتل جدول الأعمال العالمي سلسلة أزمات وتحديات جديدة نسبياً، بينها أزمة المناخ، أزمة الغذاء، أزمة المياه، تطوير القارة الأفريقية، مجابهة موجات الهجرة من دول نامية نحو الدول الغربية. وهذه المواضيع، المسماة "أجندات جديدة"، تنطوي بالضرورة على إمكانية توسيع جدول أعمال السياسة الخارجية الإسرائيلية. وإذا أحسنا توجيه موارد المساعدة الخارجية الإسرائيلية، وكذلك قسم من موارد الدبلوماسية الاقتصادية لهذه المواضيع فسوف نجني فوائد هامة سواء بالمعنى الجوهري (تصدير منتجات إسرائيلية) أو بالمعنى المعنوي، كأعضاء في أسرة الأمم المتطورة والمتنورة. ومن المهم الإشارة إلى أن إسرائيل تشخص هذه الأيام مع نشاط جوهري في هذه المجالات، سواء بسبب قلة الموارد المخصصة لذلك، أو بسبب "سيطرة" جدول الأعمال الأمني على السياسة الخارجية وعلى الدبلوماسية العامة الإسرائيلية. وفي هذا المجال أيضاً ينبغي للسياسة الخارجية الإسرائيلية أن تسعى لإحداث توازن معقول بين جدول الأعمال "القديم" والجدول الجديد.

    ويمكن هكذا تلخيص أساسيات تقدير الموقف بشأن التغييرات في الحلبة الدولية بكلمة "توسع". سواء تعلّق الأمر بعدد اللاعبين من الدول العظمى، أو بأنواع اللاعبين الجدد من غير الدول، أو في المقومات ومختلف أنواع القوى ذات الصلة، أو بشأن الأجندات الجديدة، التي توسّع جدول الأعمال العالمي. وهذا التوسع يستلزم تطوير ردود دبلوماسية جديدة ومتنوعة على طول الأفق، في ميادين الدبلوماسية الثنائية، المتعددة، العامة والاقتصادية، وفي مجال المساعدة الخارجية.

    أساسيات تقدير الموقف ـ الحلبة الإقليمية
    في الحلبة الإقليمية، أي محيطنا الشرق أوسطي، درسنا في نطاق تقدير الموقف الأخطار السياسية ـ الاستراتيجية، الفرص السياسية، والعملية السياسية.

    وفي مجال المخاطر انتصبت كما هو متوقع إيران كفاعل مركزي. فاستراتيجية الهيمنة الإقليمية التي تطورها وتنفذها إيران هي المبلور الاستراتيجي البارز في منطقتنا. والخطر الإيراني بأبعاده الأربعة ـ المشروع النووي، دعم الإرهاب، محاولات زعزعة الأنظمة العربية المعتدلة، والخطر الأيديولوجي ـ الثيولوجي، كلها تقف وتواصل الوقوف في مركز جدول أعمال السياسة الخارجية الإسرائيلية. وتدير وزارة الخارجية في السنوات الأخيرة معركة دبلوماسية واسعة لإحباط المشروع النووي الإيراني سياسياً. وهذه المعركة موجهة لزيادة الوعي بخطورة وفورية الخطر، بمعانيه الاستراتيجية البعيدة المدى، وللحاجة لعقوبات جوهرية ضد إيران كشرط لنجاعة الجهد الدبلوماسي. وهذه المعركة سوف تتواصل، وبشدة أكبر، خلال العام 2009.

    إن دعم إيران للمنظمات الإرهابية في مختلف الجبهات (لبنان، غزة ومنطقة يهودا والسامرة، العراق وأماكن أخرى) هي مصدر إضافي للخطر، يستدعي ـ إلى جانب الرد الأمني ـ رداً سياسياً أيضاً. ومنذ نشوب المعركة في العراق زاد الوعي الأميركي، البريطاني والدولي لهذا البعد في الخطر الإيراني، ولكن كثيراً من الدول الأخرى لا تولي الفعل الإيراني الاهتمام المناسب. وتعمل وزارة الخارجية لإدراج الموضوع على جدول الأعمال العالمي، عبر الاستعانة بقرار مجلس الأمن رقم 1747، الذي يحظر بين أمور أخرى تصدير السلاح الإيراني.

    والتسلل السياسي الإيراني في الأنظمة العربية المعتدلة هو مميز آخر لاستراتيجية الهيمنة الإقليمية التي تمس بشكل غير مباشر أيضاً بالمصالح الإسرائيلية. وحقيقة أن إيران تمثل حالياً خطراً مشتركاً على إسرائيل وعلى تلك الدول العربية المعتدلة في العملية السياسية، هي مجرد مثال على ذلك. وتبادل اللكمات الكلامية بين إيران وكل من مصر والسعودية، على خلفية عملية "الرصاص المسكوب"، ودعم إيران الصريح لحماس، ومحاولاتها شق المعسكر العربي والجامعة العربية.

    والبعد الأيديولوجي ـ الثيولوجي للخطر الإيراني هو الأقل وضوحاً وربما الأشد تعقيداً من ناحية الرد المحتمل. فنزع الشرعية تماماً عن وجود إسرائيل، وهو ما يقف في أساس السياسة الإيرانية، تستند إلى أسس أيديولوجية عميقة وتحظى بشعبية متزايدة ليس فقط في صفوف الجمهور الشيعي، وإنما الجمهور السني أيضاً. وإلى جانب الولايات المتحدة ("الشيطان الأكبر") تشكل إسرائيل ("الشيطان الأصغر") مركزا أساسيا للتحريض وللتآمر بطرق متنوعة. وعمليا تستغل إيران بشكل فعال "القوة الناعمة السلبية" التي تترجم إلى "قوة صلبة"، مثل العمليات الإرهابية لمنظمات مدعومة إيرانياً، بإلهام من الأيديولوجيا الراديكالية ذاتها. ومقابل هذا الخطر المركب والعاري هذا ثمة حاجة في إسرائيل لتوفير رد مناسب، ينبع هو الآخر من عالم "القوة الناعمة".

    وكما سلف فإن دور وزارة الخارجية، بين أمور عديدة، هو تشخيص واستغلال الفرص السياسية. وفي إطار تقدير الموقف تم تشخيص عدد من الفرص الهامة. أشير هنا إلى ثلاث منها: تبلور معسكر عربي براغماتي ذي مصالح مشتركة (ولو جزئياً) مع إسرائيل، نجاح مساعي فرض الاستقرار الأميركية في العراق، ونافذة الفرص القائمة لاتفاقية سلام مع سوريا ولتسوية مع المعسكر البراغماتي الفلسطيني.

    ويتلخص الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي في الحلبة الفلسطينية (في 2008ـ2009) بالتوصل إلى تسوية سياسية مستقرة مع السلطة الفلسطينية، بموازاة تقويض سلطة حماس في قطاع غزة، أو على الأقل، إضعافها. وعلى خلفية الانشقاق القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن المساعي ركزت مقابل كل واحد منهما على انفراد. وانقسمت السياسة الإسرائيلية في الضفة إلى ذراعين: "مسار أنابوليس"، الذي لم يثمر حقاً عن اتفاق دائم، ولكنه نجح في المحافظة على زخم سياسي معين في الحلبة الفلسطينية ونال دعماً دولياً ودعماً من جانب الدول العربية البراغماتية. وبموازاة ذلك تواصل الجهد، بمساعدة من الأسرة الدولية، للتقدّم في بناء مؤسسات سياسية في الضفة ولتحسين جوهري في حياة السكان الفلسطينيين. وهذا، عبر الإصرار على تنفيذ الالتزامات الفلسطينية الأمنية ومنع تمأسس حماس في الضفة أيضاً.

    ومقابل غزة فإن الهدف المركزي هو منع الإرهاب وإطلاق الصواريخ من أراضي القطاع، عبر صيانة موقف الأسرة الدولية بشأن "ثلاثة شروط الرباعية" كشرط لأي اعتراف أو شرعنة لحماس. إن عدم تجديد اتفاقية التهدئة منذ كانون الأول 2008 وتوسيع الانتهاكات من جانب حماس، قادا إلى عملية "الرصاص المسكوب". وحدّد تقدير الموقف أنه ينبغي استغلال نتائج القتال لتعزيز الردع الإسرائيلي، ولتثبيت الهدوء الأمني المستقر والمتواصل عبر الامتناع عن "التسوية" مع حماس وتسريع الجهود لمنع تعاظم قوتها العسكرية. وفي هذا السياق، جرت التوصية بتعزيز الدور المصري والدولي بشأن منع التهريبات، ومساعدة الجهد الدولي لمنع حدوث أزمة إنسانية في القطاع والتخفيف على حياة السكان. وكل ذلك، بشكل لا يترجم في تعزيز قوة حماس وعبر التعاون مع مؤسسات السلطة الفلسطينية.

    إن شراكة المصالح الجزئية بين إسرائيل ومصر وقسم من الدول العربية المسماة بالمعتدلة، رغم أن هذا التوصيف لا ينطبق على الجميع بالضرورة، ليست بالظاهرة الجديدة. فدعم هذه الدول للعملية السياسية بين إسرائيل ومنظمة التحرير وسوريا عبرت عن نفسها في مؤتمر مدريد وبعد ذلك حول عملية أوسلو وأنابوليس. ومع ذلك فإن العنصر الجديد في هذه المعادلة هو اتضاح الإحساس بالخطر الإيراني في صفوف الدول البراغماتية. وهذا الإحساس، الذي تمّ التعبير عنه في الغرف المغلقة في السنوات الأخيرة، خرج إلى العلن بقوة كبيرة، بين أمور عديدة، عبر تصريحات علنية لم يسبق لها مثيل على ألسنة زعماء عرب. ويشكل هذا الوضع من دون ريب فرصة سياسية هامة لإسرائيل، حتى إذا كان جلياً أن العقبات المعروفة القائمة أمام تعاون إسرائيلي ـ عربي لم تزح جانباً.

    لقد شكلت الحلبة العراقية في الماضي مصدر تهديدات هامة على إسرائيل، ولكن منذ افتتاح المعركة الأميركية العام 2003 تغيرت الصورة وغدت حلبة نزاع شيعي ـ سني، وموضع اختبار استراتيجي لسياسة محاربة الإرهاب التي قادها الرئيس بوش. وفي السنوات الأخيرة أغلق كثيرون فرص النجاح في هذه المعركة. ومن الجلي حالياً أن الولايات المتحدة أفلحت في استخلاص دروس عملانية وخلق احتمال حقيقي بتثبيت طويل الأمد لهذه الحلبة المعقدة. فإنجازات الحرب تخلق فرصة لتغيير إيجابي أيضا خارج حدود العراق، وتخلق تحالفات جديدة ولقاءات مصالح بين الولايات المتحدة، العراق في "اليوم التالي" لخروج القوات الأميركية، ودول أخرى في المنطقة وربما إسرائيل كذلك.

    وثمة فرصة هامة متوفرة، كما سلف، أيضاً في موضوع جارة العراق الغربية، سوريا. فنظام بشار الأسد، الذي أفلح في المناورة بين المعسكرين الراديكالي والبراغماتي، يشير منذ زمن إلى رغبته في التقارب مع الولايات المتحدة والتفاوض من أجل تحقيق السلام مع إسرائيل. وقد لاحظت حكومة إسرائيل السابقة هذه الفرصة، وشرعت بـ"محادثات عن قرب" مع سوريا بوساطة تركيا. والتغيير المتوقع في السياسة الأميركية تجاه سوريا، غير المرتبط بعملية الخروج الأميركي من العراق والمتوافق مع مقاربة الـ Engagement، يمكن أن تخلق فرصة لتغيير سياسي من جانب سوريا بشكل يسمح باستنفاد المفاوضات السلمية مع إسرائيل. أما بخصوص مصلحة إسرائيل في عملية تفاوض من هذا النوع، فمن الجلي أنه خلافاً لجولات سابقة، ليس بالوسع الاكتفاء بمحادثات ثنائية، وسيتطلب الأمر استيضاحاً معمقاً وحاسماً للاستراتيجية السورية في السياق الإقليمي الشامل، خصوصاً لمستقبل علاقاتها مع إيران، مع حزب الله وكذلك مع حماس وباقي منظمات الإرهاب الفلسطينية.

    وقد تسنت لي المشاركة في المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية في "واي بلانتيشن" العام 1996. حينها قال رئيس الوفد السوري وليد معلم، وزير الخارجية الحالي، أنه في رؤية طويلة الأجل فإن الخيار الاستراتيجي الموجود أمام سوريا هو التحالف مع إيران أو التحالف مع الولايات المتحدة. ويبدو أنه في السياق الجيوسياسي الراهن يتطلب الأمر حسماً سورياً واضحاً.

    في تحليل الحلبة الإقليمية يمكن تشخيص ميل معاكس لذلك الملحوظ في الحلبة الدولية. ومقابل ميول "التوسع" التي تميز الحلبة الدولية، فإنه يلحظ في الشرق الأوسط نوع من "التقليص" والانطواء حول بؤرة مركزية، هي إيران. ورغم أن الأمر لا يشهد على "تقليص" المخاطر على إسرائيل، إلا أن خطر انتشار السلاح النووي ونشوء "المحور الراديكالي" حول إيران، بمكوناته التماثلية والاختلافية، وسع عملياً "سلة" المخاطر الأمنية في محيط إسرائيل.

    وهناك مميز هام آخر في الحلبة الإقليمية في العام القريب وهو أنه "عام انتخابات" فبعد الانتخابات الأميركية والإسرائيلية هناك انتخابات متوقعة (في شهر حزيران) في لبنان وإيران وبعدها في أفغانستان (آب)، في العراق (كانون الأول)، وفي الختام هناك انتخابات قد تجري في السلطة الفلسطينية في كانون الثاني 2010.

    وهناك لاعب إقليمي آخر يرسخ مكانته في المنطقة في السنوات الأخيرة وهو تركيا. وتواصل تركيا كونها شريكا استراتيجيا هاما لإسرائيل، رغم التصعيد في المقاربة السياسية والشعبية تجاه إسرائيل، جراء عملية "الرصاص المسكوب" ـ وهو تصعيد، تتراجع وتخفت عواقبه مؤخراً، مع العودة التدريجية للعلاقات إلى سابق عهدها. وتركيا هي قوة عظمى إقليمية رائدة وذات قدرات مركزية في الحلبة الإقليمية ـ العراق، إيران، سوريا وفي مواجهة الخطرين النووي والإرهابي. كما أن لتركيا دورا مركزيا أيضاً في القضية الإيرانية، سواء رغم أن منظومة مصالحها في مقابل إيران تملي عليها سلوكاً حذراً و"حيادياً". وفي المديين القصير والمتوسط ستواصل تركيا البقاء هدفا للصادرات وللتعاون الأمني الإسرائيلي فيما أنها على المدى البعيد، يمكن لمشروع "ممر البنى التحتية" أن يشكل قاعدة لقفزة في العلاقات مع إسرائيل. ومن المحتمل توسيع احتمالات تطوير العلاقات المشتركة في "مثلث" إسرائيل ـ تركيا ـ الولايات المتحدة في عهد إدارة أوباما. وينبغي تعزيز المدماك المدني في العلاقات، وتعميق الحوار السياسي وتوسيعه لميادين أخرى بل ولفحص احتمالات المساعدة التركية للاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية.

    إجمال ـ الخطوط التوجيهية لاستراتيجية إسرائيلية محدثة
    بعد تشخيص المخاطر وفي مقدمتها الخطر الإيراني بكل أبعاده، والفرص التي على رأسها تبلور معسكر عربي براغماتي في مواجهة هذا الخطر، يتطلب الأمر استراتيجية سياسية إسرائيلية تتضمن رداً مثالياً على المخاطر واستغلالاً واعياً للفرص، عبر تطوير الموارد ذات الصلة المتوفرة (موارد "تقليدية" مثل الميزانيات والقوى البشرية، وأيضاً موارد أصعب في التحديد مثل إصغاء الزعماء في الأسرة الدولية، القدرة على بلورة مشروعية ودعم إقليمي ودولي لخطوات إسرائيل وسواها).

    ومن وجهة نظرنا، كما تبلورت أثناء تقدير الموقف، فإنه ينبغي للاستراتيجية السياسية الإسرائيلية أن ترتكز على ساقين: ساق الردع وساق التسوية. ففي مواجهة إيران، سوريا واللاعبين ما دون الدولة كحزب الله، حماس والجهاد الإسلامي وأشباههم، يتطلب الأمر سياسة ردع موثوقة ودائمة.

    ويعتبر ردع إيران عن تجسيد استراتيجية الهيمنة الإقليمية بكل مكوناتها، خصوصاً بشأن مشروعها النووي العسكري، التحدّي المركزي لمجموعة الدول المتماثلة " Like Minded "، التي تترأسها الولايات المتحدة وبينها إسرائيل.

    وكما هو معلوم فإن مفهوم الردع مشحون ومركب، خصوصاً إزاء المنظمات الإرهابية واللاعبين دون الدولة. وهذا هو أحد التحديات الكبرى التي تواجه صناع السياسة ليس في إسرائيل وحسب وإنما كذلك في الولايات المتحدة وفي أوساط عموم الدول التي تحارب الإرهاب. ورغم الصعوبة البنيوية في خلق وصيانة الردع في حالات كهذه، فإنه ليس هناك بديل عملي قادر على جعل ذلك نافلاً.

    وكما سلف فإن الردع يحتاج إلى استراتيجية تسوية، متجهة لخلق تغيير أساسي وطويل المدى في سياسة الطرف المقابل. وتلزم هذه الاستراتيجية ببلورة إطار سياسي يكون مقبولاً على كل من إسرائيل، الولايات المتحدة، القوى العظمى الإضافية ذات الصلة، وكذلك على الأقل قسماً من الدول العربية البراغماتية.

    فالأطر السياسية القائمة (وبينها تفاهمات مدريد، اتفاقات أوسلو، خريطة الطريق، رسائل الرئيس بوش، المفاوضات التي أديرت في نطاق "مسار أنابوليس"، وكذلك عناصر من "المبادرة العربية") توفر قاعدة محتملة لبلورة استراتيجية تسوية إسرائيلية محدثة ومكيفة، سواء إزاء دول مثل سوريا وربما أيضاً لبنان، أو إزاء الجهات البراغماتية في الحلبة الفلسطينية.

    والحلبة الفلسطينية المنقسمة ـ جغرافياً وسياسياً ـ تشكل نوعاً من التصغير (الميكروكوسموس) الشامل للمخاطر والفرص، وسيواصل إلزامناً باستراتيجية مزدوجة تجمع بين ردع حماس ومنظمات الإرهاب، والسعي الدائم للتسوية مع جهات منظمة التحرير البراغماتية بزعامة أبو مازن. والنتائج الفورية لعملية "الرصاص المسكوب" وإضعاف حماس من ناحية، والنجاحات الأولية التي سجّلتها عملية بناء قوات الأمن والمؤسسات الفلسطينية في يهودا والسامرة من ناحية أخرى، تخلق أساساً لبلورة استراتيجية محدثة.

    إن التوازن والتحصيص بين البعد الردعي والبعد التسووي، تفضيل المصالح والأولويات بين التحديات والحلبات المختلفة، خلق الحد الأقصى من التنسيق مع إدارة أوباما والقوى العظمى الأخرى، واستنفاد الفرص مقابل الدول العربية البراغماتية ـ كل ذلك هو الشرط الأساس لبلورة استراتيجية إسرائيلية إقليمية ودولية.

    إن تقدير الموقف الذي أعدّته وزارة الخارجية يوفر رسما لخريطة المخاطر والفرص، ويعرض خطوطاً لسياسة خارجية إسرائيلية معدلة في مواجهتها. ومع بدء ولاية حكومة إسرائيل الجديدة سيبدأ تنفيذ تقدير الموقف السنوي 2009ـ2010، عبر استخلاص العبر في ميادين المنهجية والمحتوى. ومن تجربة وزارة الخارجية البريطانية تعلمنا أن قيمة تقدير الموقف تزداد من عام إلى عام، مع تراكم خبرة وإدراج مناهج وطرق التفكير في وزارة الخارجية وفي المنظومة السياسية.

    ملاحظات
    القوة الناعمة (Soft Power) تعبير صاغه جوزف ناي العام 1990 في كتابه،
    Bound to Lead The Changing Nature of American Power
    (بوصفها القدرة على تحقيق هدف معين بواسطة عدة خيارات وجذب، أكثر مما عبر القسر أو القوة).
    القوة الحكيمة (Smart Power) وهو تعبير صاغه أيضا جوزف ناي العام 2006، والذي يعتبر القدرة على الدمج بين القوتين الصلبة والناعمة كاستراتيجية رائدة. ومؤخراً أشارت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى نية الإدارة الأميركية لاستخدام القوة الحكيمة في مواجهة تحديات السياسة الخارجية الأميركية.
    تحديث استراتيجي، مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي،
    Evil or Very Mad

      الوقت/التاريخ الآن هو 17/10/2017, 11:12 pm