الفكر الاستراتيجى

نشر الفكر والتحليل الاستراتيجى

التبادل الاعلاني

شارك بالتصويت

جنوب السودان بين الوحدة والانفصال

التبادل الاعلاني


    مبادئ الفكر الاستراتيجي الإسلامي

    شاطر
    avatar
    محمد بحراوى

    عدد المساهمات : 22
    استراتيجى : 0
    تاريخ التسجيل : 27/12/2009

    مبادئ الفكر الاستراتيجي الإسلامي

    مُساهمة  محمد بحراوى في 31/12/2009, 12:00 am

    مبادئ الفكر الاستراتيجي الإسلامية

    ولنعد الآن إلى إرهاصات العودة إلى الفكر العسكري الإسلامي الذي يلخصه ابن خلدون في مبدأ استراتيجي أساسي استنتج منه قاعدتين اثنتين لا ثالث لهما. فأما المبدأ فهو مبدأ المفاضلة بين المناجزة (=الحرب الخاطفة) والمطاولة (=حرب الاستنزاف) بحسب طبيعة القوة عند كلا المتحاربين: فالقوي ماديا يختار المناجزة إذا كان ضعيفا روحيا والقوي روحيا يختار المطاولة إذا كان ضعيفا ماديا. ولما كان هذا المبدأ يتضمن مفهوم التصرف في مدة فعل الحرب فإنه يؤدي إلى قاعدتين تتعلقان بالنسبتين المادية والروحية بين الزمان والمكان. لذلك فالقاعدتان هما: قاعدة روحية تعالج مشكلا ذا حل علمي ينتسب إلى علم الأخلاق الدينية ويحدد طبيعة الفاعلية في الحرب وفيها يضع ابن خلدون العلاقة الجوهرية بين البعد النفسي أو القوة الروحية والبعد التقني أو القوة المادية في الحرب. والثانية قاعدة مادية تعالج مشكلا حله العلمي ينتسب إلى علم الفيزياء الرياضية ويحدد كيفية الفاعلية في الحرب وفيها يضع ابن خلدون مبدأ المزاوجة بين الحركة والسكون في قيادة المعارك وإيقاع الفعل فيها.

    وحتى يتبين القاريء قصد ابن خلدون فلنوضح علاقته بمبادئ الحروب الإسلامية كما تعينت في المصدرين الأصلين. فالمبدأ الأول الذي حدده ابن خلدون مستمد من القرآن الكريم والحديث الشريف. ألم يعتبر القرآن الكريم المسلمين في بداية الرسالة أكثر قوة روحية منهم بعد ذلك بقليل فنزل بالنسبة العددية بين المسلمين والكفار في الحرب من نسبة واحد إلى عشرة في البداية إلى واحد إلى إثنين في الغاية؟ ألم يقل الرسول الكريم إنه قد نصر بالرعب مسيرة شهرين؟ وحصيلة القولين أن الفاعل في الحرب هو المزاوجة المناسبة لحال الأمة بين القوتين المادية والروحية وليس وجود إحداهما دون أخراهما: لذلك اعتبرنا الالتحام بين النهضة المادية والصحوة الروحية قد وفرت هذا المبدا في الحرب الحالية.

    لكن كيفية العلم بهذه الفاعلية هي التي تحدد الفكر الاستراتيجي الإسلامي: كيف التصرف في الحركة والسكون في الحرب على العدو على المستوى الفيزيائي الطبيعي (سرعة الفعل وقوته) وعلى المستوى الخلقي الروحي (ثبات الفعل وأثره)؟ وجد الرسول الكريم أن الفكر العسكري عند عرب الجاهلية قد بقي فكر بدو رحل فاقدا لمبدأ المزاوجة بين الحركة والسكون سرعة وثباتا فجمع بين منطق الحركة التي تترجم في الحرب بالكر والفر ومنطق السكون المتمثل في ثبات القاعدة الثابتة ببعديها الروحي (عقيدة الأمة وتاريخها) والمادي (أرض الأمة وجغرافيتها) التي يكون منها الكر وإليها الفر خلال السلم قبل الحرب أعني دار الإسلام ذات الثغور التي ترهب الأعداء: وذلك هو معنى آية الردع التي تحدد مبدأين لإرهاب العدو هما مبدأ القوة عامة ويعني القوة الروحية ببعديها الخلقي والديني والقوة المادية ببعديها العلمي والاقتصادي ثم مبدأ رباط الخيل ويعني القوة العسكرية خاصة.

    ولما كان ما يشترطه دوام الحركة وبقاؤها هو استعمال أدوات الردع التي تمكن من التحكم في علاقة فيزيائية بين المكان بالزمان بتحديد سرعة الفعل وقوته في نسبة بينهما تحقق الغرض في الفعل العسكري (مشكل فيزيائي رياضي) وعلاقة روحية بيهما بتحديد ثبات الفاعلين وأثر الفعل فيهم وبهم إلى أن تتحقق غاية الفعل (مشكل خلقي روحي), فإن حل هذه المعضلة يقتضي تحقيق ثورتين في الفكر العسكري كلتاهما ذات بعدين: الأول فيزيائي رياضي للتحكم في سرعة الفعل وقوته الشارطتان لنجاعته وهما نسبة بين المكان (الأين) والزمان (المتى) الطبيعيين . والثاني خلقي روحي للتحكم في عصبية الفعل الشارطة لثباته وأثره وهي كذلك نسبة بين المكان (الجوار الذي هو نسبة نسبة لكونه بين أينين) والزمان (الرحم الذي هو نسبة نسبة لكونه بين متيين) الحضاريين.

    والثورة الثانية أهم من الأولى لكونها تتعلق بالغايات في حين تتعلق الأولى بالأدوات لذلك قدم ابن خلدون العامل النفسي الروحي على العامل التجهيزي المادي في الحسم العسكري. لذلك فسنبدأ بها لتحديد بعديها فضلا عن كون ابن مخلدون يقدمها في تحليله لأسباب النصر في الحروب:

    فبعدها الأول يتمثل في جعل الأمة كلها مرابطة واعتبار التربية العسكرية جزءا لا يتجزأ من التربية الدينية حتى إن الرباط لحماية الثغور بات ذروة العبادة بل والتصوف. وبذلك فإن التوزيع على المكان قد ألغى مستعصيات المشكل الفيزيائي الرياضي إذ إن كل نقطة منه فيها من يحميها من أهلها إلى حين استكمال النفير لتحقيق بعد القوة بعد الحد من بعد السرعة: قضية الجوار التي تجعل كل المواطنين حماة لحيزهم بمقتضى عصبية الجوار والرحم المباشرين.

    وبعدها الثاني يتمثل في جعل الحرب خارج دار الإسلام نقلا لهذا المنطق إلى ساحة المعركة: كل قبيلة عربية تنتقل انتقال وحدة حية بحميتها وحاميتها لتحمي مالها وعرضها ودينها (المقاصد الغائية الثلاثة). وبذلك يكون الجندي مدافعا بعقله (اجتهاد) ونفسه (جهاد) (المقصدين اللذين يتحولان إلى أداة في الحرب رغم كونهما غايتين في السلم) عن أمر معين وليس عن مجردات ولعل أفضل مثال من ذلك مدينة القيروان في تونس ومدينة الفسطاط في مصر ومدينتا البصرة والكوفة في العراق. وقس عليها كل مدن الإسلام الأولى.

    ويوحد بين بعدي الثورة الأولى طبيعة الواجب الجهادي في حياة المسلمين: فهو فرض ديني ليس فيه إكراه خارجي بل مصدره والباعث عليه الوحيد هو الإيمان: لذلك فالقيام به ينتسب إلى التطوع وليس الإكراه لكون المقاتل المكره أكثر خطرا على الدفاع من العدو المهاجم إذ قد تعتمد عليه في خطتك فيفسدها عليك بترك موقعه من حيث لا تعلم كما حدث في كل هزائمنا. ومعنى ذلك أن التربية الجهادية إلزامية بالمعنى المدني والقانوني للكلمة لكن المشاركة الجهادية في الحرب خاضعة للحافز المعنوي والديني دون إكراه. من هنا كانت منزلة الشهادة أسمى المنازل الروحية في الحضارة الإسلامية مما يجعلها مطلوبة لذاتها وهو ما يغني عن الحاجة إلى الإكراه عليها. ولم ينحط دور الجهاد إلا منذ أن وقع الخلط بين الدفاع الجهادي الذي هو فرض عين وعلم الدفاع الجهادي الذي هو فرض كفاية ككل الحرف والصناعات فأصبحت حماية الأمة بيد جيش محترف تحول بالتدريج إلى مرتزقة وبات مصدر كل نكبات الأمة.

    أما الثورة الثانية فبعداها هما مضمون أية الردع التي تحددهما بصورة صريحة عندما أشارت إلى القوة بصورة عامة ثم أردفتها برباط الخيل.

    فالقوة عامة هي البعد الأول وهو يتعلق بأسباب المناعة ما كان منها غير مباشر أعني العلوم النظرية وتطبيقاتها والعلوم العملية وتطبيقاتها وما كان مباشرا أعني المناعة التقنية والاقتصادية (ثمرة العلوم النظرية وتطبيقاتها) والمناعة الخلقية والاجتماعية (ثمرة العلوم العملية وتطبيقاتها).

    ورباط الخيل هو البعد الثاني ويتعلق بالقوة العسكرية رمزا إليها برأس حربتها لكون كتائب الفرسان هي الرمز لذروة القوة العسكرية في عصر نزول القرآن الكريم وهي من جنس الكتائب المدرعة والجوية في عصرنا.

    ويجمع بين البعدين مبدأ جوهري يحدد فلسفة الدفاع الإسلامية التي تسعى إلى منع وقوع الحرب بإرهاب العدو أو بالردع وهو ما يعيدنا إلى دلالة الشهادة بوصفها التضحية بالنفس تضحية لا تكون كما اتفق بل باعتبارها آخر ما يضحي به وباعتبار القيادة الإسلامية لا تكلف الإنسان فوق وسعه تحملا للألم وإقداما على الموت. ومن ثم فالموت في الحرب لا يسمى شهادة بحق إلا عندما يكون المجتمع المسلم قد قام بكل ما ينبغي القيام به للدلالة على قيمة الحياة ومنزلة النفس بحماية المجاهد من الموت المجاني حتى تكون التضحية بالنفس آخر وسائل الدفاع إذ ليس بالصدفة أن جعل القرآن الكريم قتل نفس واحدة وإحياءها معادلا لقتل الناس جميعا وإحيائهم واعتبارها مركز المقاصد: فالعقل والمال قبلها والعرض والدين بعدها صفات لها ولا معنى لهما من دونها وهي لا تكون قابلة للشهادة من أجل الأولين إلا بحكم الأخيرين واعتبار المس بالخصائص الأربعة إفقادا للنفس معنى الحياة الحرة.

    لذلك كان مفهوم الشهادة ومنزلة الشهيد في الإسلام أساس هاتين الثورتين والمبدأ الموحد بينهما: ففي زمن السلم يغلب على الشهادة معنى شهود الحق الذي هو جوهر الإيمان وذلك هو وجه الجهاد الاجتهادي (عمل علمي) أو التواصي بالحق من أجل تحقيق بداية التكليف أو المعرفة الحرة التي من دونها لا يكون التكليف ذا وجود: العقل الحر. أما في زمن الحرب فيغلب عليها معنى الموت في سبيل الله الذي هو وجه الاجتهاد الجهادي (علم عملي) أو التواصي بالصبر من أجل تحقيق غاية التكليف أو العقيدة الحرة التي من دونها لا يكون التكليف ذا معنى: العقد الحر.

    ولما كان الجمع العملياتي بين منطق الصفوف والكراديس الثابتة ومنطق الكر والفر المتحرك ومنطق الجمع التعبوي بين منطق السيطرة على المكان والزمان بالجوار والرحم من خلال جعل الأمة كلها مجندة والثغور كلها رباطات قد طبقا في غزوات الرسول الكريم تطبيقا حقق النصر على قبائل العرب (منطق الكر والفر حصرا) وعلى جنود الفرس والروم (منطق الكراديس الثابتة حصرا) فإن ذلك يقتضي مبدأين هما جوهر قيام الأمة حسب العقيدة الإسلامية. فلا يمكن من دون جعل التواصي بالحق بين المؤمنين (جوهر الاجتهاد الذي هو غاية في السلم وأداة في الحرب: المشاورة) والتواصي بالصبر (جوهر الجهاد الذي هو غاية في السلم وأداة في الحرب: المصابرة) فرض عين أن يطمئن مركز الأمة لأطرافها في الوظيفة الجوهرية التي تحقق بقاء الأمة: رعاية الثغور مهمة الجميع بحسب الجوار والرحم الخاضعين لمنطق الأخوة الإسلامية وليست مهمة حاكم متجبر يصبح جيشه في أطراف الوطن جيش احتلال قد يجعل المواطنين يتشفون منه عند تعرضه لضربات العدو كما حصل في جل حقبات تاريخنا عندما كانت الجيوش حاميات مرتزقة تحمي الأنظمة ضد الشعوب لا الوطن ضد أعدائه فتكون العلاقة علاقة تناهب وتغاصب وليست علاقة تعارف وتآخ.

    وهكذا ففكر الإسلام الاستراتيجي كما عرفه ابن خلدون قد حدد بعدا جديدا لحيز الفعل كان مجهولا. فإذا كانت العلاقة المادية بين المكان والزمان قابلة للرد إلى التحكم في سرعة الفعل العسكري وقوته من حيث دور وجهه المادي في الحسم العسكري (وللجغرافيا الطبيعية والحضرية والتقدم التقني هنا الدور الأول في تعقيد المشكل الطبيعي الرياضي الذي أشرنا إليه) فأن العلاقة الروحية بينهما قابلة للرد إلى التحكم في ثبات الفعل العسكري وأثره أو وقعه من حيث دور وجهه الروحي (وللتاريخ الطبيعي والحضاري والتقدم الخلقي هنا الدور الأول في تعقيد المشكل الخلقي الروحي الذي أشرنا إليه) لكونها ترد إلى العلاقة بين الجوار (المكان) والرحم (الزمان): وذلك ما يعنيه ابن خلدون بالعصبية المحمودة بخلاف العصبية المذمومة.

    ورغم أن المقام لا يحتمل المزيد من التحليل فإن الصمود العسكري العربي والإسلامي الحالي والاستقبالي ينبغي أن يقرأ ويخطط له في ضوء هذه المبادئ إذا كنا نريد أن نربح الحرب الأولى والأخيرة للنصر على أعداء الإنسانية. فأسباب النصر فيها متوفرة بإذن الله وتوفيقه خاصة إذا فهمنا عقيدة الحرب الإسلامية التي تعالج القضية الفيزيائية الرياضية والقضية الخلقية الروحية فتمكن من التغلب على كل العقبات التي أدت إلى الهزائم المتكررة لجيوش لم تدرس منطق التاريخ الحربي الإسلامي ونظريته الخلدونية ولم تفهم استراتيجية القائد خالد بن الوليد هازم امبراطوريتي عصر الرسول. ويكفي أن شعب العراق قد استطاع في هذه المعركة القصيرة في تاريخ الأمة العسكري تثبيت العدو في ساحة حرب بطول العراق وعرضه مفقدا إياه سرعة الحركة ما حوله من مهاجم إلى مدافع حتى نعلم أن إرهاصات الفكر العسكري الإسلامي بدأت تعود إلى الوجود: نصارع العدو بمنطقنا فنجعله يرد الفعل بدل الفعل بخلاف ما فعلت الجيوش العربية إلى حد الآن. نفرض عليه المنطق العربي الإسلامي الذي سينهكه ويستنزفه ويقضي عليه في الغاية.

    ولا يهم من يربح المعركة الأولى المهم من يربح شروط نقلها من المناجرة إلى المطاولة فيتحكم في العلاقة بين المكان والزمان بالجوار والرحم ويحقق من ثم شروط ربح الحرب. بل الحرب قد ربحناها بعد, لأن أمريكا ستضطر إلى مضاعفة أعداد جندها يوما بعد يوم لتغطية ساحة المعركة الممتدة بامتداد رقعة العراق بعقلها ونفسها (المقصدين اللذين يتحولان إلى أداة) ومن ثم إلى مضاعفة الخسارة إلى أن يحصل لها في العراق ما حصل للاتحاد السوفياتي في افغانستان. ولا يهم احتلال بعض العراق فهي تحتل جل البلاد العربية الأخرى بدون مقاومة بل وبطلب من حكامها. لكن مقاومة الاحتلال التي بدأت في العراق ستعم كل الوطن العربي. لن يستطيع الأمريكان أن يبقوا مستقبلا في أقطار الوطن العربي بقاءهم السابق. فشتان بين احتلال لم يسبقه دم لكونه ثمرة خيانة واحتلال تقدم عليه دم وثمن باهض: إنه بداية الجهاد بداية النصر الذي لا ريب فيه.



    [b]


    عدل سابقا من قبل محمد بحراوى في 31/12/2009, 12:11 am عدل 1 مرات
    avatar
    محمد بحراوى

    عدد المساهمات : 22
    استراتيجى : 0
    تاريخ التسجيل : 27/12/2009

    مفهوم الحرب في الإسلام

    مُساهمة  محمد بحراوى في 31/12/2009, 12:10 am

    الحرب فى اللغة والاصطلاح تعنى الخروج على الأصل وهو السلام والسكينة والاستقرار والأمن والأمان للنفس والذات والروح والجسد والمال والولد وكل ما هو كائن فى الحياة لأداء وظيفته التى خلق من أجلها لذاته أم لمصلحة غيره من خلق الله، وبذلك تشمل الحرب الاعتداء على النفس المعصومة بغير حق سواء كان ذلك بالقتل أو بغيره بما يؤثر بالسلب على عصمة المعتدى إليه وترويع أمنه المادى وسكنه النفسى مهما كانت درجة هذا الاعتداء إن كان عدوانا وظلما وإذا كان ذلك فى الأصل من الغير فإنه قد يتصور مع النفس والذات على النفس وذلك بارتكاب الشخص من الأفعال والآثام ما يوقعه فى دائرة الفساد والهلاك سواء كان ذلك كليا أو جزئيا وسواء كان ذلك بطريق إيجابى أو سلبى.



    مفهوم الحرب في الإسلام

    أو العقيدة العسكرية الأسلامية:

    من المهم هنا قبل أن نتكلم عن العلوم العسكرية في الإسلام أن نشرح نظرة الإسلام إلى الحرب، ونلخص هذا المفهوم في عدد من النقاط الرئيسية: ــ

    أولا أن السلام هو الغاية والهدف.. والحرب احدى وسائل تحقيق السلام وفي ذلك يقول القرآن الكريم.
    - "ادخلوا في السلم كافة" البقرة 208
    - "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" الأنفال 61.
    - "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" النساء90.

    ثانيا أن الحرب في الإسلام نوعان:
    1- دفاعية: لحماية أرض المسلمين وعقيدتهم، وفي ذلك يقول القرآن:
    ـ "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة 194
    - "والذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة "واحدة "النساء 102 ) .
    ـ وخذوا حذركم ".
    - "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" الحج 39"
    ب هجومية: وليس الهدف منها الغزو والاستعمار وقهر الشعوب أو إكراه الأمم على اعتناق الدين، ولكن الهدف تحرير إرادتها وحريتها لكي تختار الدين الحق.. دون قهر من الحكام أو الغزاة وفي ذلك يقول تعالي.
    - "لا إكراه في الدين قد تبين الرشدى من الغي ".
    - "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " البقرة 25 .
    - ثالثا: أن الشدة في القتال لا تعني القسوة ولا الوحشية ولا الظلم، فقد أمر المسلمون بالشدة في القتال بمعنى العزم والحزم وعدم التراجع فقال: "ولا تولوهم الأدبار".
    "حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق " محمد 47
    " قاتل الكفار واغلظ عليهم ".
    ب- وفي نفس الوقت أمروا بالرحمة والعدل والرفق بعد الانتصار فقال تعالي: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".
    "فإما ما بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها". محمد 47
    "وإن حكمتم فاحكموا بالعدل ".
    "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ".

    كان هذا هو الجانب العقائدي تحدثنا عنه بايجاز شديد وبقي الجانب الآخر الذي هو موضوعنا الرئيسي من هذا البحث وهو الجانب العلمي من العسكرية الاسلامية.

    فعندما نزل أمر الله للمسلمين بالجهاد.. لم يكلهم إلى عقيدتهم وحدها، ولم يكتف بمعنوياتهم العالية، بل قال لهم (وأعدوا)،والامر بالاعداد هنا لا يقتصر على السلاح وحده.. بل يشمل التنظيم الشامل المتواصل للحرب ماديا ومعنويا، وابتداء من تعليم الضبط والربط والنظام، الى التدريب المتواصل على كل الاسلحة، الى دراسة الخطط الحربية إلى معرفة جغرافية المناطق والمواقع.. ثم الحرص على الاسلحة الحديثة والمتطورة والتدريب عليها.. ومنذ اللحظة الاولى لنزول الامر بالجهاد.. ابتدأ الرسول (صلعم) يعلم اتباعه ويعدهم للانطلاقة الكبرى لنشر الدين في اقصى بقاع الارض بل كانت تعاليمه (صلعم) بمثابة مدرسة لتخريج القادة العظام لامن جيله فحسب بل على مر العصور والاجيال.

    النظام الانضباط في الجيوش الاسلامية
    كان بدو الصحراء لا يعرفون النظام.. ومن الصعب عليهم ان يقفوا في صف احد.. أو صنع طابور.. فجاء الإسلام ليربيهم تربية جديدة فيها النظام وفيها دقة المواعيد.. وفيها الطاعة والضبط والربط فأمرهم بالوقوف في صف واحد للصلاة.. الكتف في الكتف والقدم بجوار القدم لا يتأخر احدهم عن أخيه ولا يتقدم، وينذرهم بأن (الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) اي أن الصف كله يتحمل وزر من في لف النظام من أعضائه، وعلمهم المحافظة على المواعيد، الى حد الدقيقة والثانية فإذا أن المؤذن للصلاة لا يتغيب أحد ولا يتقاعس أحد، ولو كان تجارة أو طعام لانفضوا عنه لكي يستجيبوا الى داعي الرحمن وإقامة الصلاة، ومن هنا فقد تعلم جنود المسلمين الضبط والربط ودقة المواعيد لأن هذه كلها من أصول العبادات ومن أوامر الدين التي يؤدونها كل يوم خمس مرات في حياتهم اليومية..

    ولا يقتصر هذا الإنضباط في الاسلام على فريضة الصلاة وحدها، بل إن كل فرائض الإسلام الأخرى من حج وصوم وزكاة.. تربي المسلم على معنى الإنضباط والالتزام.

    وبفضل هذه التربية لم يكن من الصعب على قادة المسلمين إعداد الجيوش في ايام معدودة، أو تجميع الامدادات وإرسالها أو تحريك الكتائب لمباغتة العدو في فترات قياسية، ففي الجيوش العادية يجازي من يتخلف عن التجنيد بالغرامة او السجن، أما في جيوش الاسلام، فإن الجزاء أشد من ذلك بكثير، إنه خسارة دينه ودنياه، وحرمانه من نعيم الجنه، وتحضرنا هنا قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن نداء الجندية في عهد الرسول.. بغير مرض ،ولا عذر قاهر، فلما اكتشفوا هول الخطأ الذي ارتكبوه في حق دينهم ودعوتهم وابتعد عنهم الناس وقاطعوهم حتى زوجاتهم وأولادهم، فضاقت بهم الدنيا بما رحبت ولم يجدوا مخرجا من الله الا التوبة له.. فربطوا أنفسهم
    بالحبال.. وانعزلوا في بقعة من الأرض لا يأكلون الطعام، وكادوا أن يهلكوا لولا ان نزل عليهم أمر الله بالعفو والغفران وإنذارهم ألا يعودوا لمثلها أبدا، فكانت تلك الحادثة قدوة وعبرة للأجيال من بعدهم ألا يتخلف احد عن داعي الجهاد، ولا يتأخر.

    ومع مضي الزمن، وتطور الحروب الإسلامية والفتوحات كان النظام والطاعة من العوامل الرئيسية في انتصارات المسلمين، فكان الجندي المسلم لا يستطيع أن، في لف قائدة أو يعصي أمره، أما القادة فكانوا فيما بينهم مثال، التواضع والز هد في المناصب، والبعد عن الغيرة الشخصية وجو الدسائس ،وعندما حاصر المسلمون مدينة القسطنطينية على عهد الخليفة سليمان بن عبدالملك وهو الحصار الذي استمر شهورا متوالية.. كان في الجيش جميع أمراء بني أميه.. ومنهم المرشحون للخلافة، ومع ذلك فقد كان القائد يعاملهم كأى، جندي عادي.. ويوقع عليهم من المسئوليات والواجبات بل وأيضا العقوبات كأي جندي آخر.. وهذا مثل راق لما وصل إليه المسلمون من الضبط والربط.

    نظام التجنيد.. والديوان:
    عندما ابتدأت الدعوة الاسلامية إلى الجهاد كانت الجندية تطوعا وامتحانا للعقيدة والايمان، ثم تحول التطوع إلى واجب والتزام لا يجوز لمسلم مهما كان عذره أن يتخلف عنه إلا أن يكون واحدا من ثلاثة حددهم القرآن في قوله تعالى:
    " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج "الفتح 17"

    فالمرض المزمن مثل أمراض القلب والرئتين وكذلك العمى والعرج أوالمقصود بالأعرج كل صاحب عاهة تمنعه عن القتال، هذه هي الأسباب الثلاثة الوحيدة التي تعفي من التجنيد في الاسلام ومازالت هي نفس الأسباب في عصرنا الحديث، وطبيعي أن يكون السن شرطا آخر وقد حدد بخمسة عشر عاما وكان الرسول يرد من هو أصغر من ذلك، أما كبر السن فلم يكن له حد لمن أراد تطوعا.

    وعندما تولى عمر الخلافة وتوسعت فتوح الاسلام اصدر أول أمر بالتجنيد الالزامي فقال في خطابه إلى ولاة الاقاليم لا تدعوا أحدا من أهل النجدة ولا فارسا إلا جلبتموه فإن جاء طائعا وإلاحشرتموه " ،وهكذا لم يكن يعفي من التجنيد في دولة الإسلام إلا غير المسلم لأن أهل الذمة معفون من الجندية، ولم يكن التجنيد إلزاميا للمرأة، ولكنه حق لها اذا وافق زوجها،فكانت نساء الصحابة يشاركن مع الرجال في الفتوحات الإسلامية الاولى.. فشاركن في فتوح فارس والشام ومصر بل شاركن في معارك البحر في ذات الصواري، وكان عمل المرأة تجهيز السلاح ومداوة، الجرحى وطهو الطعام ورعاية الخيل، فإذا احتاج الأمر شاركت في القتال الفعلي.

    وكان يجري إحصاء الجند وتسجيلهم في ديوان الجند، وبموجب الديوان يعطي الجندأعطياتهم ما داموا على قيد الحياة، فإذا استشهد الجندي ينقل ديوانه إلي أهله.

    وكان من وسائل الاحصاء في الجيوش (2) الاسلامية أن يمر كل جندي امام قائده أو رئيس وحدته.. فاذا وقف أمامه رمى بسهم من كنانته في مكان معين وبعد انتهاء المعركة يعاد العرض ليأخذ كل جندي سهما.. فالأسهم التي لم يأخذها أحد تبين عدد الشهداء والجرحى،وكان الجند في الجيش الاسلامي نوعين:
    جنود محترفون ونظاميون وهؤلاء لا عمل لهم سوى القتال، ويصرف عطاؤهم من، بيت إلي ل علاوة على أسهمهم من الغنائم، وجنود متطوعون يلحقون بالجيش من البوادي والأمصار والبلاد المفتوحة (من المسلمين) ويتم تجنيدهم أثناء الفتوحات والقتال ولهم نصيب من الغنائم ولكن ليست، لهم رواتب .

    وكان عدد الجند في أواخر عهد الرسول (صلعم) ثلاثين الفا من المشاة وستة آلاف فارس وفي عهد أبي بكر وعمر بلغ... ر. 15 ثم زاد العدد باطراد الفتوحات وتوسعها، فيذكر ابن خلدون أن الخليفة المعتصم قد غزا عمورية بجند عدده... ر. 90 أي قرابة المليون.

    والمسلمون أول من ابتكر نظام الدواوين والإحصاءات وكلمة الديوان عربية انتقلت عن العرب إلى أوروبا وما زالت حتى اليوم مستعملة وهذا دليلا على فضل الحضارة الاسلامية.

      الوقت/التاريخ الآن هو 14/12/2017, 10:59 pm